حبيب الله الهاشمي الخوئي

127

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة

ما يكون من الأيمان والمواثيق ، فاذن لهما فلمّا خرجا من عنده قال لمن كان حاضرا : واللَّه لا ترونهما إلَّا في فتنة يقتتلان فيها ، قالوا : يا أمير المؤمنين فلم يردّهما عليك ، قال : ليقضي اللَّه أمرا كان مفعولا . وقوله : ( سترني عنكم جلباب الدين ) قال البحراني : وارد مورد الوعيد للقوم في قتالهم له ومخالفتهم لأمره ، والمعنى انّ الدّين حال بيني وبينكم وسترنى عن أعين بصائركم أن تعرفوني بما أقوى عليكم من العنف بكم والغلظة عليكم وساير وجوه تقويكم وردعكم عن الباطل وراء ما وقفني عليه الدّين من الرّفق والشّفقة وشهب ذيل العفو عن الجرائم ، فكان الدّين غطاء حال بينهم وبين معرفته فاستعار له لفظ الجلباب قال : وروي ستركم عنّي أي عصم الاسلام منّي دمائكم واتباع مدبركم وأن اجهز على جريحكم وغير ذلك ممّا يفعل من الأحكام في حقّ الكفّار هذا . ولما أشار عليه السّلام إلى عد معرفتهم له حقّ معرفته وغفلتهم عن مراتب شأنه ووظيفته أتبعه بقوله : ( وبصّر نيكم صدق النيّة ) وأشار بذلك إلى معرفته لهم حقّ المعرفة بعين اليقين والبصيرة من حيث صفاء نفسه وخلوص نيّته ونور باطنه كما قال عليه السّلام : اتّقوا فراسة المؤمن فانّه ينظر بنور اللَّه ، وقال الرّضا عليه السّلام في رواية بصائر الدّرجات لنا أعين لا تشبه أعين النّاس وفيها نور ليس للشّيطان فيه شرك ، وبذلك النّور يعرفون كلّ مؤمن ومنافق ويعرفون صديقهم من عدوّهم كما يدلّ عليه أخبار كثيرة . مثل ما رواه في البحار عن العيون عن تميم القرشي عن أبيه عن أحمد بن عليّ الأنصاري عن الحسن بن الجهم قال : سئل عن الرّضا عليه السّلام ما وجه إخباركم بما في قلوب النّاس قال : أما بلغك قول الرّسول صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : اتّقوا فراسة المؤمن فإنّه ينظر بنور اللَّه قال : بلى ، قال : فما من مؤمن إلَّا وله فراسة ينظر بنور اللَّه على قدر إيمانه ومبلغ استبصاره وعلمه ، وقد جمع اللَّه للأئمّة منّا ما فرّقه في جميع المؤمنين وقال عزّ وجلّ في كتابه : * ( » إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ « ) *